الثلاثاء، 31 مايو 2011

لماذا على ميقاتي أن يشكل الحكومة الآن؟

لقد تغيرت الكثير من المعطيات التي تجعل من التمهل في تشكيل الحكومة يحمل الكثير من الأضرار . فالمبادرة إلى التشكيل يملك الكثير من المبررات. فالوضع الإقتصادي متدهور، والهيئات الإقتصادية سوف تبادر إلى التحرك باتجاه إيجاد حل للتعثر في تشكيل الحكومة. الغلاء ما من أحد يتصدى له، والتحركات العمالية ومختلف شرائح المجتمع لم يعد بإمكانها الإنتظار إلى أن تُشكل الحكومة. أما الوضع الأمني فليس على ما يُرام. فالعملية على اليونيفيل والتي سبقتها عملية إختطاف الإستونيين... من الأمور التي تؤثر سلباً على سمعة لبنان في الخارج، هذا إن لم تحمل مؤشرات أخرى لسنا في صدد بحثها الآن.

لن نعدد جميع العوامل التي تجعل من تشكيل الحكومة أمراً ملحاً، إنما سوف نشير إلى مؤشرات تجعل من عدم التشكيل أمراً مؤذياً بشكل عام ويؤثر على وضع الرئيس ميقاتي بشكل خاص.

لقد تمكن الرئيس ميقاتي خلال المرحلة السابقة من أن يفرض نفسه كلاعب أساسي في ساحته. فهو كان عند تكليفه تشكيل الحكومة قوياً بغيره، أما الآن فقد أصبح قوياً بنفسه. لقد تمكن من فرض شروطه على كل من يريد أن يتصدى إلى تشكيل حكومة في لبنان. فهو لم يقبل بنصف تنازل كما فعل السنيورة، ولم يقبل بتنازل كامل كما فعل سعد الحريري. وهذا سوف يجبر جميع من يأتي بعده إلى نفس الممارسة، مما يجعل من العبث التفكير باستبداله، إذا أراد أن يتنحى. ولكن طرأت بعض التغيرات التي تجعل من عدم تأليف الحكومة الآن تأكل من رصيده.

ما هي هذه المتغيرات؟

إن الكمين الذي نصبه عون للواء ريفي قد أصاب به الرئيس ميقاتي، سواء كان ريفي محسوباً على الرئيس ميقاتي، ام لم يكن كذلك، ذلك أن اللواء ريفي ينتمي إلى نفس الطائفة التي ينتمي لها الرئيس المكلف. فالرئيس مناط به الدفاع عنه عرفاً. أي أن العماد عون قد جر الرئيس ميقاتي إلى معركة لم يخطط الأخير لها وليس بذهنه التخطيط لها. حيث أنه لم يخطط لا للدفاع عن ريفي ولا لإغراق ريفي، فالمعركة ليست معركته. والأنكى من ذلك أنه لا يمكنه التهرب منها، كما أنه لا يمكنه خسارتها.

والذي لم يكن بالحسبان تغطية حلفاء عون وميقاتي، تغطيتهم لعون من دون حساب لمترتبات هذه المعركة على الأرض. فهل يريدون كشف ميقاتي أمام عون؟ وما هو الثمن الذي سوف يُدفع تبعاً لذلك؟ نحن نعتقد أن ليس بإمكان عون أن يدفع شيئاً لحلفائه مقابل هذه المعارك التي يخوضونها إكراماً له. ولكن من بإمكانه أن يدفع على الصعيد الشعبي هو الرئيس ميقاتي، وخاصة على الصعيد الاستراتيجي، ولا أقصد العسكري. إن دراسة المتغيرات التي تحصل في عالمنا العربي وتقييمها بنظرة مستقبلية سوف تدفع من يهمه مستقبل المقاومة على الصعيد الاستراتيجي أن يفكر بشكل مختلف بالنسبة لتحالفاته وأولوياتها. هذا الكلام لا يعني مطلقاً حصر تحالفاته بطرف واحد، إنما يعني أن العلاقات بين الحلفاء يجب أن تكون مع كل حليف تبعاً لأهميته الاستراتيجية، ونحن لا نعني استراتيجية الزاروب والحي، إنما استراتيجية الساحة العربية بامتداداتها التي تصل إلى تركيا وإيران.

ما انعكاس هذا الدعم اللامحدود؟

لقد تم استثمار هذا الدعم في أماكن لا ندري إن كانت مهمة بالنسبة للمقاومة. يقول البطرك الراعي: إن "علينا العمل لاعادة صلاحيات رئيس الجمهورية كي تسير البلاد الى الامام، واتفاق الطائف ليس منزلاً". وأشار الى أننا "مع نظام المشاركة، ولكن لسنا معها عندما يكون رئيس الجمهورية لا يملك اي امكان لكي يقرر بالثغرات الموجودة". هل من أجل هذا خيضت معركة اللواء ريفي؟

أما عضو التكتل العوني النائب أبو النصر فقد قال: "فلنواجه الوقائع بصراحة ولنسمّ الاشياء بأسمائها،ان ازمة تشكيل الحكومة اليوم في عمقها ازمة النظام السياسي الذي جرى تعديله في الطائف في غفلة من الزمن، حيث تم تجريد رئيس الجمهورية من صلاحيات دستورية كانت تؤهله ليكون هو نقطة الارتكاز والجاذبية في النظام، فجرى توزيع الصلاحيات عشوائيا بشيء من قصر النظر. فوقعنا في خضم ازمة كيانية خطيرة مما ادى الى تولي الوصاية السورية طوال وجودها في لبنان، القيام بالدور الذي كان يتولاه رئيس الجمهورية قبل الطائف (...).
هذا الامر يستلزم اتفاق القيادات المارونية على المطالبة باسترداد الصلاحيات الاساسية التي سلبت من رئاسة الجمهورية، على امل ان تمارس بحزم وحكمة وتجرد. هذا الموضوع الكياني يستحق ان يتصدر جدول أعمال الاجتماع المنتظر برئاستكم في بكركي(...).

هل أن معركة الإتصالات قد خيضت من أجل توحيد الموارنة من حلفاء إسرائيل إلى حلفاء المقاومة من أجل تعديل الطائف (لا يعنيني الطائف سواء عُدل أم لم يعدل)، أم من أجل أهداف أخرى؟

نصل إلى رئيس الجمهورية الذي وحد موقفه مع أبناء طائفته، لا ندري إن كان نتيجة الضغوط التي مورست عليه من حلفاء عون، أم أنه قد راى ضرورة توحيد موقف الموارنة. فليتوحدوا إذن تحت عباءته وعباءة الراعي، خير من توحدهم وراء عباءة أخرى، خاصة أنهم قليل من يأخذون مواقف تبعاً لإرادتهم.

أما المسيحي الوحيد الذي انبرى للدفاع عن ممارسة اللواء الريفي فكان بطرس حرب. أما اليوم فقد تحدث سمير جعجع عن الموضوع، ربما أعادته ذاكرته بضرورة التحالف مع الأكثريات وليس مع الأقليات.

هذه المتغيرات تستدعي المسارعة إلى تشكيل الحكومة إنطلاقاً من الثوابت التي طرحها الرئيس ميقاتي. كل يمارس صلاحياته تبعاً لما ينص عليه الدستور. ويمكن الإستناد إلى هذا الكلام لأن ميزان القوى في لبنان لم يجعل من طائفة رئيس الوزراء هنوداً حمراً.

اليوم كل يريد تناتش ما يمكنه من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، لذلك لا بد من تشكيل الحكومة، حتى بمن حضر. وليتحمل كل مسؤوليته.
31 أيار 2011 حسن ملاط

السبت، 28 مايو 2011

06 أبريل, 2011

لبنان.. أزمة سياسية، أم أزمة وطنية؟
معظم السياسيين اللبنانيين تهمهم مصالحهم الشخصية في الدرجة الأولى. ولا بأس إن كان هناك تقاطع ما بين مصالحهم الشخصية والمصالح الوطنية. نقول هذا الكلام نتيجة الأزمة الوزارية المستمرة منذ التكليف الأول للرئيس سعد الحريري، ثم التكليف الثاني الذي أعقبه تشكيل ما اتُفق على تسميته "حكومة الوحدة الوطنية"، ثم إقالة الحكومة وتكليف الرئيس نجيب ميقاتي بعد أخذ ورد.
لماذا افترضنا أن الأزمة بدأت منذ ذلك الحين؟ نقول ذلك لأن المتابع للأوضاع الداخلية اللبنانية يعرف وبجلاء تام أن حكومة الرئيس الحريري لم تتمكن من الحكم، ولم تتمكن من الإهتمام بقضايا الناس. منهم من يقول أنها لا تهتم بالناس وقضاياهم. ومنهم من يقول أنه لم يُسمح لها بأن تحكم. وما نقوله هو رأي الأطراف السياسية المتنازعة، نعني من يسمون بأطراف 8 آذار و 14 آذار. وهذا ما يدفعنا للتساؤل المشروع: هل التناقض بين قوى الثامن من آذار والرابع عشر منه هو تناقض رئيسي أم تناقض ثانوي؟ الجواب عن هذا السؤال يستدعي عرض أمور كثيرة.
1 – مسألة المحكمة الدولية: قوى الثامن من آذار ترفض بالمطلق الإعتراف بالمحكمة الدولية وهي تعتبرها إسرائيلية. أما قوى الرابع عشر من آذار فهي تعتبرها أي المحكمة حجر الرحى في جميع سياساتها. نضيف هنا أنه رغم هذا التناقض فقد تشكلت حكومة شاركت فيها قوى الثامن من آذار رغم نصها على الإلتزام بالمحكمة الدولية وبمفاعيلها؟
2 – سلاح المقاومة: قوى الرابع عشر من آذار لا توافق على أن يكون سلاح المقاومة مستقلاً عن سلطة الدولة، من أجل ذلك كان هذا السلاح هو البند الوحيد على طاولة الحوار التي كانت تضم جميع القوى الأساسية على الساحة اللبنانية. ورغم ذلك نص البيان الوزاري لحكومة الحريري على بند سلاح المقاومة بصيغة الشعب والجيش والمقاومة.
3 – حرب تموز: سجلت المقاومة انتصاراً باهراً على العدو الإسرائيلي، لا زال حتى الآن يعاني منه "المجتمع الإسرائيلي". هذا الإنتصار لم تعترف به قوى الرابع عشر من آذار برغم اعتراف حتى العدو الإسرائيلي به. وكانت حجتهم أنه قد وقع دمار في البنية التحتية اللبنانية. وهذا هراء! كان الإتحاد السوفياتي يحتفل بانتصاره على النازية مع أنه قدم 22 مليون قتيل في هذه الحرب. فعدم اعتراف هذه القوى بالإنتصار ناتج عن تقديمهم التناقض مع "حزب الله" على التناقض مع العدو الإسرائيلي.
4 – التعاطي مع المحكمة الدولية والسلاح: كان طرفا الصراع في لبنان يعرفان التناقض القائم بينهما حول السلاح والمقاومة، وكان تعاطيهما بالنسبة لهذا الموضوع يتميز بالحدة التي تُظهر وكأن هذا التناقض رئيسي. فلماذا قبلا بأن يشكلا حكومة واحدة؟
5 – التعاطي مع حرب تموز: اتهم "حزب الله" الحكومة إبان حرب تموز بالتعاطي السيء. وهذا صحيح. لأنها كانت تريد سحب سلاح المقاومة من دون سحب السلاح الإسرائيلي. وهذا يعني ترك البلاد مكشوفة أمام العدو الإسرائيلي. ورغم ما تقدم قبل الحزب بالإشتراك في حكومة تضم رموز من تآمر عليه خلال حرب تموز، مع معرفته بذلك. لماذا؟
6 – وثائق ويكيليكس: يتعاطى جميع أطراف الثامن من آذار مع هذه الوثائق وكأنها الحقيقة المطلقة. فإذا كانت كذلك فهذا يعني أن أطراف الرابع عشر من أذار هم عملاء للإسرائيلي، فما هو مبرر التعايش معهم، أو بالأحرى لماذا لا نحاربهم؟
7 – التعامل مع أزمة البحرين والخليج: كان موقف حزب الله من أزمة البحرين موقفاً مبدئياً، وهو الوقوف مع مطالب الشعب البحريني. فكان التعاطي مع هذا الموقف على أنه موقف مذهبي أدى إلى تأزيم العلاقة مع دول الخليج، مما يهدد وجود عدد من اللبنانيين في الخليج. وهذه بالتالي أزمة وطنية وليست أزمة طائفية أو مذهبية.
8 – التعامل مع أزمة ساحل العاج: تعاطت بعض الأطراف بشكل متسرع مع أزمة ساحل العاج مما أدى إلى إرتدادات سلبية، فُسرت على أساس مذهبي. هذا مع العلم أن هذا التفسير فيه الكثير من التبسيط. وهذه أزمة فعلية لأن أعداد اللبنانيين في ساحل العاج كبيرة، وعودتهم هم وأقرانهم في الخليج سوف تشكل أزمة لبنانية كبيرة. وإذا أضفنا أن أطراف الثامن من آذار سوف يجدون صعوبة كبيرة في التعامل مع هذه الأزمات، نرى عندها أهمية عدم التعاطي مع هذه الأزمات على أساس سياسي، إنما ضرورة التعامل معها على أساس أنها أزمات وطنية، وهي كذلك.
جميع ما تقدم يُظهر أن الأزمة التي يعاني منها لبنان هي أزمة وطنية وليست أزمة سياسية، تستدعي تضافر جميع الجهود للتمكن من مجابهتها أو التعامل معها. هذا ما يدفعنا إلى القول أن الحكومة القادمة يجب أن لا تكون حكومة سياسية، إنما حكومة من التكنوقراط، وليست حكومة مختلطة.
إن حكومة من التكنوقراط هي فقط من بإمكانها التعامل مع هذه الأزمات. أما البديل فهي الكارثة الوطنية، حيث سوف نرى حكومة لا يقبل بالتعامل معها أولئك الذين نحن بحاجة ان نتعامل معهم حتى لا تقع البلاد بمشاكل وأزمات لا إمكانية لحلها. كما أن حكومة تكنوقراط لن تحمل الصفة السياسية التي يحب البعض أن يعطيها لحكومة الرئيس ميقاتي لتصويرها وكأنها متصادمة مع المجتمع الدولي. نضيف إلى ما تقدم أن الكثير من المرجعيات السياسية يميلون إلى هذا الخيار، كما أن المرجعيات الدينية تؤيد هذا الخيار. أضف إلى ذلك أن التعامل التصادمي بين مختلف الأطراف السياسية يحتم هذا الخيار حتى لا يكون البديل حرباً داخلية لا تنتهي، نتخوف من أن تصبح غير باردة.
6 نيسان 2011 حسن ملاط

23 أبريل, 2011

إتجاهات الوضع الحكومي في لبنان
مر ثلاثة أشهر على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة العتيدة، ولكنها لم تتشكل بعد. وكثير من الأطراف لا يزعجهم عدم تشكيل الحكومة. والبعض الآخر يغتبط لعدم تشكيلها، ولكنه يوحي للآخرين أنه يضغط باتجاه تشكيلها. والطرف الأخير هو الذي يريد أن لا تتشكل الحكومة، حتى يقول أن عدم وجوده في السلطة هو المانع من تشكيل الحكومة. أو بصيغة أخرى، ما من أحد غيره يمكنه تشكيل حكومة في لبنان.
ما هي المواقف الحقيقية للأطراف اللبنانية من تشكيل الحكومة الجديدة؟
1 – نبدأ من تيار المستقبل، فهو يحمل رغبة متناقضة. فهو يعتقد أن عدم تشكيل الحكومة سوف يقلل من صدقية قوى الثامن من آذار عند محازبيهم. لذلك لا يريد أن تُشكل الحكومة. ومن جهة ثانية يعلم أن الحكومة العتيدة إذا شُكلت في هذا الوقت بالذات، لن تكون حكومة طويلة العمر، لأن الإتجاهات الإقليمية غير واضحة المعالم من حيث اتجاه تطورها. فهو يريد أن تُشكل حتى يُحضر نفسه لوراثتها سريعاً. أما إذا لم يتم تشكيلها، فإن التشكيل المتأني سوف يكون لصالح الرئيس ميقاتي بحيث أن عمر الحكومة سوف يكون مديداً. لذلك فتيار المستقبل لا يعلم ما هو الموقف الذي عليه الإلتزام به. أما عن شكل الحكومة، فهو لا يمكنه الركون إلى شكل محدد، حيث أن حكومة تكنوقراط هي الحكومة الملائمة للرئيس ميقاتي، بحيث أنها سوف تكون حكومة منتجة من جميع النواحي. فالأمور المعيشية والإجتماعية ضاغطة بشكل لا يمكن أي طرف سياسي من تحمل نتائج سلبية لهذا الوضع. وما يريح السياسيين هو تحميل تبعة هذا الوضع لحكومة لا سياسية. ومن جهة أخرى فإن حكومة لا سياسية تمكن أعضاءها من أخذ القرار العلمي من دون خوف أو وجل على مستقبلهم السياسي لأنها حكومة غير سياسية.
2 – أطراف الثامن من آذار، نحن نميل إلى أن حزب الله وحركة أمل يتساوى عندهما الرغبة وعدم الرغبة في تشكيل الحكومة. فإذا كانت القضية المركزية هي الحفاظ على سلاح المقاومة، فما من أحد يمكنه التأثير على سلاح المقاومة. كما أنهما على يقين أنه في حال عدم تشكيل الحكومة من قبل الرئيس ميقاتي وعاد الحريري إلى الحكم (وهذا يكاد يكون مستحيلاً) فليس لديه خيار إلا تشريع سلاح المقاومة. ولكن حزب الله يعلم أن (بيضة القبان) في الحفاظ على سلاح المقاومة هو الوضع الإقليمي، وليس الوضع المحلي. إن تطور الأوضاع الإقليمية لم تصبح، حتى الآن، ضاغطة على الوضع اللبناني، ولكن لا يمكن التنبؤ باتجاهها في وضع معقد تعيشه الساحات العربية. من هنا نرى أن هذه النقطة بالتحديد هي التي يمكن أن تضغط على الحزب باتجاه العمل على تشكيل الحكومة سريعاً. ولكن حيث أن حكومة سياسية (من لون واحد) لا يمكنها أن تغطي حزب الله عند أطراف المجتمع الدولي (وهو من دون فعالية عند حزب الله في الوقت الراهن)، هذا ما يمكن أن يطرح التفكير بحكومة تكنوقراط. فحكومة كهذه لا يتمكن المجتمع الدولي من الضغط عليها لأنها عملياً من دون تغطية سياسية. أعتقد أن حكومة تكنوقراط هي الحكومة التي تريح حزب الله والمقاومة في هذه المرحلة الرمادية بكل ما في الكلمة من معنى.
أما عون والتيار الوطني الحر، فهو يعتقد أن حكومة تكنوقراط هي حكومة تسووية، لذلك فهو لا يقبل بها. فهو يريد حكومة سياسية تترجم انتصار أطراف الثامن من آذار على خصومهم السياسيين. أما عون، فخصومه السياسيون تتسع دائرتهم حتى تبلغ الرئيس ميشال سليمان. وحكومة تكنوقراط سوف تريح الرئيسين سليمان وميقاتي، وبالتالي لا مصلحة لعون بهكذا حكومة.
ما هو المتوقع حصوله؟
هناك احتمالان، الأول هو أن تراوح الأمور في مكانها حتى تتوضح الصورة الإقليمية. وهذا يمكن أن يفرض العودة إلى دعوة حكومة تصريف الأعمال إلى الإنعقاد حتى تتمكن من حل أمور المواطنين المتراكمة، والتي لا يمكن تأجيلها إلى ما شاء الله. إن حركة كهذه سوف تأكل من رصيد أطراف الثامن من آذار.
اما الإحتمال الثاني، فهو تشكيل حكومة (بمن حضر) أي حكومة تكنوقراط لا تحظى بموافقة جميع الأطراف، ولكن تكون حلاً لأزمة لا يمكن استكشاف آفاقها بشكل جلي. وبالتالي تكون حكومة مؤقتة يتم الإستغناء عنها عندما تتوضح الأمور الإقليمية أكثر. نحن نعتقد ان حكومة كهذه يمكنها التعامل مع جميع الأمور أو المشكلات التي يمكنها أن تُطرح من قبل المجتمع الدولي من دون أن تُحمل الأطراف السياسية أية تبعات. كما أنه يمكنها أن تجد الحلول لبعض المشاكل المعقدة (البناء على أملاك الدولة وأملاك الغير).
23 نيسان 2011 حسن ملاط

24 أبريل, 2011

قراءة في تنظير "علي فياض" للثورات العربية
نشر الدكتور علي فياض مقالتين نظريتين في جريدة "السفير" اللبنانية، الأولى مؤرخة في 4 شباط 2011 والثانية مؤرخة في 14 نيسان 2011. وتبدو الثانية متممة للأولى. وأزعم أن هذه الدراسة بقسميها الأول والثاني ترتدي أهمية كبيرة، وهذا ما دفعني لقراءتها.
سأبدأ من حيث أنهى حديثه الأول، حيث قال: "يبقى علينا أن ننتظر فعلياً ما سيؤول إليه الحدث المصري، الذي خفتت أمامه كل الاستحقاقات الأخرى وبدت باهتة جداً. لأننا سنكون عندها كما ذكرنا أمام زمن آخر. زمن أكدنا فيه أن إسرائيل قابلة للهزيمة وهنا نحن نؤكد أن التغيير ممكنٌ في هذا العالم العربي الذي يستحق أن نضع حداً لمعاناته". إن أهم ما في هذا الكلام هو التأكيد على محورية مصر أولاً وعلى الإنتماء ثانياً. من هنا نقول بأن علي فياض لم يكتب من أجل التنظير فقط، إنما كتب من أجل أن تفيد أمتنا من هذا التنظير، بقصد إفادة أمتنا من هذا التغيير وبقصد تحرير فلسطين.
كما وأنه في الجزء الثاني من الدراسة، كان منه إصرار على نفس الوجهة: "هل وقعت هذه المقاربة في المبالغة والاستعجال؟ وهل تنطوي على رومانسية ما تناقض ما سعت إليه أصلاً؟ ربما، وربما كان علينا أن نتريث قليلاً، وان نتحّفظ في إطلاق الاستنتاجات، بانتظار أن نتبيّن نتائج الثورات العربية ووجهتها والمدى الذي ستبلغه، بيد أن علينا أن لا ننكر في أي حال، الوظيفة التحفيزية للأفكار، ولا سيَّما عندما تكون نتاجاً لثقافة عضوية تولد من قلب خندق المواجهة".
لقد اتفقنا في بعض الأمور مع دكتورنا العزيز واختلفنا معه في بعض الأمور. يقول الدكتور، بعد أن طرح بعض التساؤلات المنهجية: "هذه التساؤلات المنهجية الشائكة، نجد لها بدورها إجابات سهلة لكن عميقة في المقاربة الدينية للتحليل السياسي والاجتماعي، لأنه «لا يعلم جنود ربك إلا هو»، وبالتالي فالعوامل الغيبية تتكفل دائماً بتفسير ما لا يمكن تفسيره من تحولات فجائية، وهي تتآزر جنباً إلى جنب مع العوامل الأخرى التي تكمن في صلب الواقع الاجتماعي... والتي قد يتحول الثانوي فيها إلى أساسي في لحظة، أو قد تتضافر بعضها إلى بعض في توليفة زمنية استثنائية غير مفهومة مما يُفجَّر لحظة التغيير... ". إن مهمة العالم هو تفسير هذه الظواهر، ولا يمكنه أن يقول أن هذه الظواهر غير مفهومة أو لا يمكن فهمها. كما وأن القرآن الكريم عندما يتصدى للظواهر، يتصدى لها بقصد مساعدة المؤمنين على فهمها. فالله تبارك وتعالى قد وعد المؤمنين بالنصر الإلهي عندما يلتزمون بمعايير معينة، لم يغفلها القرآن الكريم، إنما ذكرها. فقد قال تعالى: "إن تنصروا الله ينصركم". فهنا شرط للنصر على المؤمن الإلتزام به حتى يصل إلى نصر الله. كما ورد في القرآن أيضاً: " وإذا عزمت فتوكل على الله". والعزم هو تأمين جميع الشروط المادية التي يحتاجها عمل ما أو ممارسة معينة. فإذا قام الإنسان بجميع هذه الشروط، عندها يتوكل على الله، وعندها ينصره الله. هذا ما جعلنا نقول أن النصر الذي حققته المقاومة في تموز وآب 2006 كان نصراً إلهياً. ذلك أن المقاومة استعدت بالقدر الذي يمكنها من أجل مجابهة العدو، طاعة لله. من أجل ذلك نصرها الله مع العلم أن الآلة العسكرية للعدو أكبر بكثير من آلة المقاومة العسكرية. وبالرغم من اعتراف السيد حسن نصر الله أن النصر كان إلهياً، ولكن لم يمنع ذلك المقاومة من دراسة التجربة بجميع حذافيرها، حتى تستفيد منها في مواجهاتها القادمة. القرآن الكريم لا يضع أحجيات لا يمكن حلها، إنما يضع منهجاً علينا اكتشافه من أجل الإلتزام به. وليس علينا الركون إلى أن هذا يدخل من ضمن الغيبيات ونستكين إلى هذا القول. ولكن عندما نعجز عن التفسير العلمي نسلم أمرنا إلى الله لأننا نؤمن به ونؤمن أنه سوف يؤآزرنا في عملنا، إذا كان في سبيله.
أما القول بأن بعض التناقضات الثانوية يمكن أن تصبح أساسية في لحظة من اللحظات، فهذا طبيعي ويحصل في جميع المجتمعات، وليس استثنائياً. ومهمة السياسي أو العالم رصد هذه التغيرات حتى يتمكن من وضع الاستراتيجيات أو التكتيكات لمجابهتها، لا أن يستسلم لها ويحيل الأمر إلى القوى الغيبية. إن بعدنا عن الساحة التونسية والمصرية هو الذي جعل ظاهرة البوعزيزي ظاهرة غير مفهومة. ولكن المناضلين التونسيين الذين استشعروا أن الأوضاع التونسية أصبحت جاهزة للتغيير هو الذي مكنهم من استغلال هذا الوضع ومتابعة النضال إلى حصول التغيير. نحن ليس بإمكاننا أن نفسر ذلك لبعدنا عن الساحة. ولكن لا يمكننا القول أن هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها.
أما في مصر، فقد كان التغيير مفاجئاً لنا أيضاً، لأننا لم نكن متتبعين للحالة المصرية أيضاً. جاء في دراسة للدكتور جوزيف عبد الله: "صحيح أن الثورة المصرية لم تعرف قائداً ملهماً، ولكن المناضلين الشباب المتمرسين بتجربة عميقة امتدت منذ العام 2004 تقريباً بشكل متواصل، شكلوا شبكة من القيادات الميدانية الصادقة التي نجحت في صيانة الثورة ورفعت من وتيرتها، ووضعت حداً للمتسلقين على ظهرها، وتمكنت في جو الاستياء العام من النظام من اكتساب الملايين من المصريين على تنوع فئاتهم".
ثم يضيف: "ولم تنفع مع الثورة المصرية كل المحاولات الأميركية لإخراج مبارك مرفوع الرأس من السلطة، أو محافظاً على ماء الوجه. فبعد إعلانه، بناءً لرغبة أميركية، عن التنازل عن ترشيح نفسه (أو توريث إبنه) لفترة رئاسية مقبلة، وبعد قيامه بتعيين عمر سليمان نائباً له، وتشكيله حكومة جديدة، وبعد إخفاق استخدامه للأجهزة الأمنية و"البلطجية" و"الأتباع" من الموظفين والمستفيدين من النظام لقمع المتظاهرين والمعتصمين... بعد كل ذلك وسط الدعوة الأميركية لتأمين ما سماه أوباما "الانتقال السلس للسلطة"، جاء خلع مبارك من الرئاسة بضغط من الجماهير المصرية الثائرة، إثر تدخل الجيش المصري الذي وجدت قيادته صغار الضباط ينتقلون إلى "ميدان التحرير" ملتحقين بالثورة. لم يكن بوسع القيادة التاريخية للجيش المصري قمع الثورة خشية انهيار كامل المؤسسة العسكرية".
أما مختار شعيب فيقول في دراسته: "ثورة 25 يناير المصرية (تحولت) من حركات احتجاجية إلى ثورة كاسحة. فكيف تطور فعل تلك الحركات إلى فعل جماهيري منظم أطاح نظاماً هيمن على مقدرات البلاد لثلاثين عاماً. ربما كانت المرة الأولى التي تنطلق فيها دعوات التغيير بصوت احتجاجي مسموع في عام 2003 عقب التظاهرات الضخمة المناهضة لغزو العراق التي احتلت ميدان التحرير، أكبر ميادين العاصمة في 20 آذار (مارس) من العام نفسه. كانت تلك التظاهرات بداية للموجة الأولى وتتويجاً لحركة احتجاجات ممتدة لطلاب جامعات القاهرة والإسكندرية والمنصورة اندلعت مع بدء انتفاضة الأقصى في أيلول (سبتمبر) 2000 للتضامن معها والاحتجاج على المواقف الرسمية للنظام، ومثّلت قطعاً مع حال الركود التي سادت خلال تسعينات القرن الماضي".

ثم قدم الكاتب توصيفاً تاريخياً لحركات الإحتجاج التي قامت بها الجماهير المصرية على اختلاف فئاتها: القضاة، الموظفون، العمال، الفلاحون، المزارعون، الطلاب والصيادون. هذا التوصيف هو الذي يسمح لنا بالقول أن المجتمع المصري لا يمكنه الإستمرار بنفس الطريقة التي كان عليها. وهذه هي مواصفات المجتمع الناضج ثورياً. والوضع عندما يكون ثورياً يصبح بحاجة للصاعق الذي يؤدي إلى التغيير. أما القول بضرورة وجود الحزب القائد أو القائد الملهم من أجل قيادة هذا التغيير، فهو ناتج عن التجربة التاريخية في أماكن أخرى. إنما ما يجعلنا نقول ذلك هو الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي الروسي بقيادة ثورة أوكتوبر، أو الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي الصيني، أو الثورة التي قادها الحزب الشيوعي الفييتنامي، مع عد إغفالنا لدور لينين وماو تسي تونغ وهو شي منه. وحيث لا نملك تجربة تجعلنا نقول بعدم ضرورة وجود الحزب القائد، لذلك افترضنا أنه لا إمكانية للثورة بدون الحزب القائد. إن من يقود التغيير في مصر مجموعات غير متجانسة من المناضلين، والذين أثبتوا عملياً قدرتهم على قيادة العمل النضالي. وجميع الدلائل تشير ألى إصرارهم على النصر النهائي، وهذه هي مبشرات النصر. في هذا المجال يقول الدكتور علي فياض: "علينا أن نلحظ الوتيرة المتسارعة لحركة المجتمعات المعاصرة المعولمة والتي ترتكز حركات التغيير فيها، كما في الحالة العربية، إلى أدوات التواصل الالكتروني، مما يشكل تغيراً جوهرياً في وتيرة التغيير. في الواقع إن التواصل الالكتروني سمح بتجاوز، ليس فقط المشكلة التنظيمية، إنما أيضاً بتجاوز الاستئثار الفئوي والحصرية الحزبية. ذلك أن أداة الاتصال الالكتروني فتحت الطريق أمام غلبة «العقل الاتصالي» على ما عداه". وهذه ميزة يمكن إضافتها لما سبق.
ثم يضيف: "إذن إن ما نشهده يأخذ من الناحية الشكلية ومن حيث النتائج القريبة شكل انتفاضة، لكن من حيث العملية المترتبة عليها والقابلة للتدحرج إنما هي ثورة، والناتج المباشر لها هو تغيير في رأس النظام وفي السلطة التنفيذية، لكن ثمة استمرار لبعض هياكل النظام الأساسية كالجيش والمخابرات والأجهزة الدبلوماسية والبنية الإدارية. إذن نحن أمام صنف جديد من الثورات: ليس هناك قيادة فردية للثورة، ليس هناك زعيم رمز وليس هناك إيديولوجية واحدة للثورة، وليس هناك تخطيط مسبق لانفجارها، فالثورة تنتج قيادتها الجماعية بعيد اندلاعها، وتنتج خطابها في مجرى تحققها".
نحن لا نوافق على "وليس هناك تخطيط مسبق لانفجارها" ذلك أن جميع النضالات التي قامت بها مختلف فئات المجتمع المصري هي باتجاه الوصول إلى التغيير على مستوى النظام الذي لا يمكن الإستمرار في الحياة تحت ظله، ودليلنا على ذلك هو النضالات اليومية التي تدل على استحالة الإستمرار. يضيف علي فياض: "وها نحن أمام مرحلة استثنائية، من حيث وطأة تأثيراتها، إنها أكثر من حصاة في بركة الركود العربي، أنها زلزال بتموجات وارتدادات سريعة أو متباطئة ومتلاحقة، بيد أن مما لا شك فيه، أن المسارات طويلة ومتأرجحة وغامضة". ونحن نوافق على هذا التوصيف.
ثم يضيف متأسفاً: "للأسف، كان لمعظم موضوعات علم السياسة ومفاهيمه أن تولد في رحم التجربة الغربية، انطلاقاً من هيمنة تلك التجربة على ما عداها من تجارب في المجتمعات الأخرى، بما فيها مجتمعاتنا التي بدت مستلحقة وتابعة، والتي جرى إخضاعها لإشكاليات ومنهجيات هي في أحيان كثيرة غريبة عنها ولا تصلح لها". إذا كان هو من يشكو فماذا تركنا للآخرين؟!
ثم يصب الدكتور علي فياض جام غضبه على العلم: "فإذا كان العلم قد انتقل من «الحتمية» إلى «الاحتمالية»، فإننا بصدد انتقاله من «الاحتمالية» إلى «التفسيرية»، دون أي إضافة مبالغة تتصل بقدرته على التوقع أو التنبؤ. وعلى علماء الاجتماع والسياسة، أن ينصرفوا إلى تفسير الظواهر بعد تشكلها ودراسة الثورات بعد انفجارها، والسعي لبناء النسق مفهومياً بهدف الفهم والتحليل، لكن «لحظة البوعزيزي» ستعكر على رهط العلماء هؤلاء صفو ركونهم إلى قدراتهم الواثقة، في بناء المسارات المستقبلية للظواهر. إن «لحظة البوعزيزي» اقرب إلى أن تكون «سندروم Syndrome» لأنها تزامن أو تناذر مجموعة أعراض ترتد إلى سبب واحد لكنه مولد لنتائج غير محسوبة، إن «البوعزيزي سندروم»، ستقطع على المفاهيم مطامحها وادعاءاتها وستكشف غرورها المقيت، وستظهر عجزنا العلمي عن الإحاطة الشاملة بالظواهر الإنسانية".
هذا الكلام يطرح عدة قضايا. منها أولاً أن نقيض الحتمية هو اللاحتمية ونقيض "الإحتمالية" هو "اللاإحتمالية"، ونقيض "التفسيرية" هو "اللاتفسيرية". إذن لا تناقض بين الحتمية والإحتمالية. فإذا كنا نقوم بدراسة مجتمع معين، يمكن أن نضع الكثير من الإحتمالات. وهذه الإحتمالات، حتى ترتدي الطابع العلمي عليها أن تنطلق من مقدمات موضوعية. أما في حال عدم إمكانيتنا الحصول على المعطيات التي يمكن أن تكون مقدمات لوضع الإحتمالات الممكنة، فكيف لنا أن نضع هذه الإحتمالات؟ ففي الوضع التونسي حيث أنه قد تبين أن الكثير من الذين كتبوا لم يملك المعطيات التي تمكنه من وضع احتمالات للتغيير في تونس، فهل يمكننا أن نقول أن "العلم" قد انتقل من الإحتمالي إلى التفسيري؟ ما يمكننا قوله هو أن المعطيات التي نملكها عن الوضع التونسي لا تمكننا من وضع إحتمالات ذات طابع علمي لإمكانية التغيير في الوضع التونسي. ما أقوم به ليس محاولة تبرير العلم عن القصور، ولكنه الواقع الذي بين أيدينا عن الوضع التونسي. أما بالنسبة لظاهرة البوعزيزي والذي أحب أن يسميها الدكتور علي فياض "سندروم"، فدعنا نضع التوصيف التالي: المجتمعات، جميع المجتمعات تعيش في شواش كبير CHAOS . وهذا الشواش يستدعي طرح الكثير من الإحتمالات لإمكانية التغيير. وجميع هذه الإحتمالات تكون نظرية، إلى أن يتبين إمكانية وضعها موضع التنفيذ. فلماذا لا نسمي لحظة البوعزيزي "إنهيار" في نظام المجتمع الساكن AVALANCHE. وعندما نقول انهياراً في المجتمع الساكن نكون قد عدنا إلى التوصيف الذي وضعه الصحافي في جريدة النيويورك تايمس، صاحب الدكتور علي فياض. وهذا بالتالي ينسجم مع ما ذهبنا إليه بما سبق من الكلام عندما تحدثنا عن توصيف المجتمع الثوري. وبذلك تكون لحظة البوعزيزي هي الصاعق أو ال AVALANCHE الذي فجر الوضع التونسي. لا يمكننا القول أن العلم يفسر ولا يتوقع، وإلا لم يعد من ضرورة لوجود العلماء. إذا كان العلم قاصراً، بسبب من تقصير العلماء، عن تفسير ظاهرة معينة، فهذا لا يُعتبر نقيصة للعلم. إنما هو نقيصة للعلماء الذين لم يتمكنوا من تفسير هذه الظاهرة. إن مهمة العلم تفسير الظواهر، كما أن من مهماته أيضاً طرح الإحتمالات التي يمكن أن تعين على توقع تطور ظاهرة ما ووضع الإتجاهات لتطورها. وبذلك لا يمكننا الموافقة على ما يقوله الدكتور فياض في هذا المجال: "إن دراسة النسق الاجتماعي - السياسي للظاهرة، أمر طبيعي. بيد أن لحظة التحول وعتبة القطيعة الفجائية، التي تشكل «البوعزيزي سندروم» نموذجها الأمثل ومبدأها الذي يجب أن يدخل علمي السياسة والاجتماع من بابهما العريض، كمبدأ غامض، له قيمة المعامل الكيميائي الذي يغير التركيبة الكيميائية برمتها، ولربما صح القول هنا أن نستعير دلالة «باولو كويلو» في رائعته الروائية «الخيميائي» لنقول ان «البوعزيزي سندروم» هي خيمياء الواقع الاجتماعي- السياسي. حيث الغموض سيد الموقف، وحيث التأثير والنتائج، تبدو وكأنها رقية صوفية، أو كأن فعلها هبط من السماء تعبيراً عن إرادة إلهية نافذة، وهي على كل حال، بصورة أو أخرى، «عودة الميتافيزيقا» إلى حلبة العلم، بعد أن ظن كثيرون أنها غادرت إلى غير رجعة.
مما لا شك فيه أن كثيرين سيجهدون في محاولة عقلنة «البوعزيزي سندروم» بيد أن ذلك لن يكون مقنعاً كفاية، بل سيشي بشيء من «الانتهازية المعرفية". ويضيف: "فما نصبو إليه هو بناء النسق بهدف فهمه وتفسيره، وليس بهدف الجزم والتنبؤ، لأن لحظة الانفجار التي تشيد عتبة التحول، إنما ترتبط بلحظة غير قابلة للتوقع المسبق، كما أنها غير قابلة للعقلنة إلا جزئياً، ولهذه الأسباب فهي اقرب إلى الميتافيزيق منها إلى المبادىء الامبريقية أو الواقعية".
أما بالنسبة ل"لحظة الإنفجار" "الغير قابلة للتوقع" فأضيف ما يلي: بما أن التغير النوعي يختلف عن التغير الكمي بأن الأول يكون دائماً فجائياً، لذلك لا يمكن تحديد وقت معين لحصول هذا الإنفجار. ولكن هذا لا يمنع إمكانية وضع إحتمالات لوقوعه في وقت معين. فنحن لا نوافق أن هذا يقع في نطاق الميتافيزيق، لأن العلم أصبح إحتمالياً كما قال الدكتور فياض.
نصل إلى مفهوم "الكرامة" الذي طرحه الدكتور علي فياض إنطلاقاً من الآية الكريمة "ولقد كرمنا بني آدم..." . "إن استيعاب دور مفهوم الكرامة بوصفه بنية كلية تتجاوز التحليل المجتزأ، الذي ينزلق إلى اختزال حركة الشارع ببعد محدد أو وفقاً لعامل أوحد دون سواه، من شأنه أن يساعد بصورة جوهرية على فهم ميكانيزمات تحريك الشارع العربي واتجاهاته والكيفية التي يجب أن تعتمد في التعامل معه... "
في الثورة الصينية وفي الثورة الفيتنامية كان العاملان الوطني والإجتماعي متلازمين. ولكن في بعض الأحايين كان أحد العوامل يتقدم على الآخر، فيلعب دور العامل الموجه coeficient directeur . ولا بد باستمرار من عامل موجه، فهذه مسألة مفروضة وضرورية وليست معيارية. فهل مفهوم "الكرامة" يمكن أن يكون العامل الموجه للثورات في العالم العربي؟ أنا أميل إلى هذا الخيار الذي وضعه الدكتور علي فياض، مضيفاً التساؤل التالي: ماهي القضية التي تختزل مفهوم الكرامة عند الإنسان العربي؟ أجيب أنها القضية الفلسطينية. هل هذا يعني أنها العامل الوحيد، والدكتور علي يقول أنه ليس هناك من عامل وحيد؟ نقول أن هناك عاملاً يمكن أن يكون "جماعاً" لكثير من العوامل، ،résultante ، أو كما هو مفهوم "الكفاية" compétence و الأهداف objectifs على الصعيد التربوي والتعليمي. أي أن الكفاية ليست مجموعة الأهداف، إنما تقاطعها، كما أن جماع العوامل ليس مجموع هذه العوامل، لأن جماع العوامل يكون أكبر من مجموعها، وهذا مبدأ فيزيائي. أي بصيغة أخرى إن العمل على تحرير فلسطين من براثن الصهيونية هو العامل الذي يجسد الكرامة عند الإنسان العربي. هل هذا عامل واحد؟ نقول كلا! لأنه جماع جميع العوامل التي يحتاجها الإنسان العربي في نضاله ضد البؤس والتخلف... وهذا ما يجعلنا نوافق على ما ذهب إليه كاتبنا العزيز، والذي يؤكده قائلاً: "كما أن هذا المناخ الإقليمي ينطوي كذلك على خيبات عاصفة لدى المجتمعات العربية من وعود الدولة العربية المعاصرة. لقد نكثت هذه الدولة بكل وعودها التي تتصل بالكرامة العربية من السيادة إلى الحرية إلى التنمية والتحديث وسيادة القانون. والى الإحساس العربي اليومي بالذل والمهانة جراء ما تمارسه إسرائيل بحق الفلسطينيين من دون أن يكون للأنظمة العربية أي دور فاعل سوى ما يقوم به البعض من تآمر ومضي في مساعدة العدو".
ننهي مع ما يقوله علي فياض في نهاية بحثه الهام: "لقد عاشت المجتمعات العربية ركوداً غير مبرر على مدى عقود من السنوات، رغم ما لحق بهذه المجتمعات من حوادث وعواصف فاجعة، كان عليها أن تفجّر غضب هذه المجتمعات وتخرج ما في داخلها من احباطات، إلا أن هذا لم يحصل، يُستثنى من ذلك ظاهرة المقاومة التي لها سياقها الخاص، والتي شكلت تعبيراً مبكراً عن علاقة التجاور الخلاَّق بين العقلانية السياسية والميتافيزيقا، ولنقل الإيمان ببعده الغيبي، وبوصفه محركاً ثرياً للإرادات الحرة".
إن الإشارة إلى ظاهرة المقاومة تبدو بالنسبة لنا هي زبدة القول، مع أننا لا نوافق مع الباحث على أنها لاإنسانية، أي غيبية. إن المقاومة الإسلامية هي نتاج المجتمع اللبناني. هذا المجتمع الذي يتسم بسمات خاصة مكنته من أن يُنتج المقاومة وبمواصفات خاصة أيضاً. والإنسان، كل إنسان يملك جانباً غيبياً، لنقل صوفياً. اليس الإيمان بالغيب هو نوع من الصوفية. والمقاومة في بلادنا المشرقية تتطلب الكثير من هذا الجانب الصوفي. لذلك فظاهرة المقاومة هي نتاج طبيعي لمجتمعنا. أما لماذا في لبنان وليس في مكان آخر؟ فهذا يعود إلى خصوصية الوضع اللبناني.
كان الحري بعلي فياض أن يقدم أفقاً ما لتطور ظاهرة المقاومة بحيث تعم المجتمع اللبناني بأكمله وتتعداه إلى المجتمعات العربية الأخرى، خاصة وأن ظاهرة المقاومات الشعبية قد ظهرت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في القرن العاشر والحادي عشر في كثير من المدن العربية والتي كانت تجابه الغزاة فقط، أي أنها لم تشارك في الحروب ما بين الزعماء المحليين. ومن هذه المدن دمشق وحلب وصور...
إن وضع أفق معين لتطور الأوضاع في بلادنا العربية يتطلب الحديث عن دور ما للمقاومة.
سلمت يدا الدكتور علي فياض الذي يقوم بدوره كمثقف في أمتنا، يعرف ماهو مطلوب منه. فقد بدأ بالتنظير للدفاع الإستراتيجي، كمثقف عضوي في هذا النطاق. وهو اليوم ينظر للثورة العربية من منظار الكرامة الذي يختصر الأفق العربي بتجسيده بالصراع المطلق مع العدو الصهيوني من خلال الكرامة التي نجدها في المقاومة الإسلامية.
23 نيسان 2011 حسن ملاط

30 أبريل, 2011

"آخر الدواء" في تشكيل الحكومة اللبنانية
صحيح أن تكليف الرئيس نجيب ميقاتي جاء نتيجة توافق أطراف الثامن من آذار مع كتلة النائب وليد جنبلاط، ولكن هذا الكلام لا يعني أن هؤلاء وحدهم هم المعنيون بتشكيل الحكومة. الأوضاع القائمة في لبنان أو في المنطقة العربية ليست أوضاعاً طبيعية، ولكنها إستثنائية في جميع المقاييس، مما يحتم النظر إلى تشكيل الحكومة بمعايير مختلفة عن تلك التي تكون سائدة في الأوقات الطبيعية، بمعنى أن المزايدات التي تقوم بها الكتل البرلمانية ليست مستساغة في هذه الظروف.
بصيغة أخرى، ليس الكلام الذي يُنقل عن أطراف "المستقبل" وحلفائه في الرابع عشر من آذار مقبولاً في حالة البلاد اليوم. فتحميل الرئيس ميقاتي المسؤولية بعدم تشكيل الحكومة منفرداً، أو حتى بالتشارك مع أطراف الثامن من آذار ليس عادلاً. كما وأن مختلف فئات الثامن من آذار ليس لهم الحق بأن يعتبروا كتلهم هي وحدها المعنية في تشكيل الحكومة. إن الأوضاع في المنطقة رمادية بامتياز. فالثورة المصرية لم تحفر اتجاهها النهائي حتى الآن. الوضع في اليمن لم يستقر على اتجاه، فالوساطة الخليجية لا يمكننا الركون إلى قبولها. في البحرين، الأحداث لا زالت مستمرة، ولا زال القمع على أشده. وفي سوريا لم يصل الوضع إلى الإستقرار بالرغم من الحديث عن الإصلاحات. أي باختصار شديد، ما من أحد يمكنه معرفة نهاية للأوضاع الإقليمية، وعلام سوف تستقر. ولكن ما يمكن تأكيده أن الأوضاع لا يمكن أن تظل على ما كانت عليه.
ماذا يعني هذا الكلام لبنانياً؟
ما من أحد من الأطراف اللبنانية يمكنه الإطمئنان إلى إنعكاس الأوضاع الإقليمية على الساحة اللبنانية، لأن ذلك يدخل ضمن نطاق التنجيم. نقول هذا الحديث لأن العوامل المؤثرة في اتجاه الأحداث متعددة بحيث لا يمكننا أن نحدد منذ الآن علاقاتها فيما بينها(العوامل) وأي منها يلعب الدور الموجه لهذه الأحداث. ولكن ما يمكننا الجزم به، هو ان التدخل الأمريكي والأوروبي لا يمكن أن يبشر بالخير، إنما هو نذير شؤم وشر. لذلك لا يمكننا إلا أن نتمنى أن تأخذ جميع الأطراف الحريصة على مصالح شعبنا وأمتنا هذا الأمر بكثير من الجدية بحيث لا تتيح الفرصة لهؤلاء بالتدخل في بلادنا، كما حصل في ليبيا على سبيل المثال.
نقطة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى، وهي أن لا تكون الأطراف اللبنانية من السذاجة بحيث تختلف فيما بينها على بيع جلد الدب قبل أن تصطاده. فإذا بادر كل من الأطراف اللبنانية على المراهنة على الشكل الذي يتمناه لتطور الأحداث ويقيم تكتيكاته على هذا الأساس، فهذا يعني أو يستتبع عدم إمكانية هذه الأطراف على التوافق الضروري في هذه الظروف الإستثنائية. وهذا ما سوف تكون انعكاساته سلبية جداً على تطور الأوضاع اللبنانية الداخلية.
إن الحرص على مصلحة البلد تستدعي التفكير الجدي بتشكيل حكومة مصغرة من جميع الأطراف الفاعلة على الساحة اللبنانية، بقصد تمرير هذه الأوضاع الإستثنائية. ولا بأس بعدها من العودة إلى الصراع.
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروراً على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا ، فإذا تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً (رواه البخاري). هذه هي صورة الوضع اللبناني الحالي. إنه يستوجب مشاركة جميع الأطراف في تحمل المسؤولية من أجل حل المشاكل التي لا يمكن تأجيلها: الوضع الإقتصادي الضاغط، الوضع الإداري الكارثي، عدم النمو التي بشرت به وزيرة المال وكأنها تريد أن تشير إلى أن الدولة لا يمكنها الإستمرار بتحمل مسؤولياتها اتجاه موظفيها. أي بكلمة واحدة إن الوضع كارثي.
في حال عدم قبول هذه الأطراف بالتوافق على حكومة شراكة وطنية لإنقاذ لبنان، ما العمل المتوجب على الرئيس ميقاتي القيام به؟
نحن نعتقد أن حكومة من طرف واحد غير مؤهلة لقيادة هذه المرحلة، ليس لقصور عندها ولكن تبعاً للمهام المطروحة عليها والتي قلنا عنها أنها إستثنائية. فهذه الأوضاع لا تتحمل التجاذبات. وحكومة سياسية لا يمكن أن تكون دون تجاذبات. من هنا ضرورة تشكيل حكومة تكنوقراط تتحمل مسؤولية قيادة هذه المرحلة بتوافق جميع الأطراف. ولترحل عندما تستقر الأوضاع الإقليمية. أما من يعتقد أن عليه أن يُقدم ليستغل الوضع في هذه المرحلة الرمادية، يكون كمن يتآمر على إستقرار الوطن. إن الظروف الإستثنائية تتطلب حكومة إستثنائية.
هذه هي صورة الوضع الراهن، والذي لا يتحمل أية خطوات غير محسوبة بدقة متناهية. الصراع السياسي الداخلي لا بد منه، ولكن مصلحة الوطن تقتضي تجميد هذا الصراع إلى أن تمر هذه العاصفة عن منطقتنا.
30 نيسان 2011 حسن ملاط

04 مايو, 2011

حول تصفية ابن لادن

تناقلت وكالات الأنباء العالمية عن رئيس الإدارة الأمريكية أن قوات الإستكبار العالمي الأمريكية قد تمكنت بمعونة عملائها من المخابرات الباكستانية من قتل الشيخ أسامة بن لادن. وأسامة بن لادن رحمه الله، تعتبره الإدارة الأمريكية عدوها الأول منذ ما يزيد على العشر سنوات.

لماذا قتلت الإدارة الأمريكية أسامة بن لادن؟

لقد ساعد أسامة بن لادن في محاربة الإتحاد السوفياتي، العدو الأول لأمريكا، عندما كان يحتل أفغانستان. في ذلك الوقت كانت الإدارة الأمريكية تساعد ابن لادن عن طريق السعودية. وبعد الإنتصار على الإتحاد السوفييتي، تبين لإبن لادن أن الإدارة الأمريكية تود أن تستعمله هو والمجاهدين من أجل مشاريعها الخاصة، فتمرد عليها. وبعد دراسته للأوضاع تبين له أن العدو الأول للشعوب هي الإدارة الأمريكية. عندها وجه نشاطاته لمواجهتها، وبدأ يحاربها. وكذلك فعلت الولايات المتحدة. حتى أن السعودية قد سحبت من ابن لادن هويته السعودية.

بعد كثير من العناء، تمكنت الإدارة الأمريكية من قتل ابن لادن. من هم الذين فرحوا بمقتله؟

طبعاً الإدارة الأمريكية هي على رأس هؤلاء، حتى أن وكالة الأنباء الأمريكية السي ان ان، نقلت أن الأمريكان قد تخلوا عن جثمانه بأن رموه في البحر. فهم يخافونه وهو ميت. جبروتهم وإنسانيتهم سمحت لهم بأن يرموا بجثمانه في البحر. إحتقار لجنس الإنسان!

بريطانيا أصدرت بياناً تعرب فيه عن فرحتها بمقتل ابن لادن. وكذلك فعلت فرنسا. وكذلك أصدر نتنياهو بياناً أشاد فيه بمقتل ابن لادن لأنه مجرم وقاتل. أما هو فهو يقطر إنسانية. أما الملفت للإنتباه هو إصدار أحد ممثلي سلطة عباس بياناً يعرب فيه عن فرحته، وبأن مقتله يقرب فرص السلام. فإبن لادن كان يقف حجر عثرة بين عباس والسلام.

هل علينا أن نفرح بمقتل ابن لادن مثل سلطة عباس وإسرائيل وأمريكا...؟

ما يجمعنا بابن لادن رفضنا المطلق لاغتصاب فلسطين من قبل الصهاينة، وكذلك عداءنا للإدارة الأمريكية، الشيطان الأكبر كما دعاها الإمام الخميني. وما يفرقنا عنه هو أننا لم نكن نقر أسلوبه بمناهضة الإمبريالية الأمريكية.

هل من شيء يدفعنا إلى الإقرار بتصفية ابن لادن؟

1- كان قتل ابن لادن من قبل الإدارة الأمريكية وعملائها من المخابرات الباكستانية، على شبهة عملية البرجين في نيويورك، وليس الإقرار بالتهمة. فتنفيذ القتل لم يتم بالصيغة القانونية للدول المتحضرة. أما الإدارة الأمريكية فقد قتلت، وليس بالشبهة، قتلت يقيناً مئات الآلاف من الأفغان. وقتلت يقيناً مئات الآلاف من العراقيين، وغيرهم كثير في جميع أنحاء العالم. وجميع هذا القتل لم تُحاسب عليه.

2- إسرائيل قتلت مئات الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والمصريين، وقتلتهم يقيناً ولم يحاسبها أحد. وهي لا زالت تحتل فلسطين وطردت أهلها ولا تسمح لهم بالعودة مع أن المجتمع الدولي قد أقر بضرورة عودتهم، ولم يحاسبها أحد. لا ليس هذا فحسب، فالإدارة الأمريكية تعتبر المقاومة الفلسطينية إرهاباً، وتعتبر حزب الله منظمة إرهابية. تصوروا أن أكبر إرهابيي الكرة الأرضية يصنف من هو الإرهابي.

3- فرنسا التي فرحت بمقتل ابن لادن قتلت بمظاهرة واحدة خمسين ألف جزائري، وهي ترفض حتى الآن أن تعتذر عن جرائمها في الجزائر. وفرنسا سحلت تحت الدبابات أربعة عشر طفلاً لبنانياً في طرابلس ولم تعتذر عن إجرامها، ولم تطلب حكومتنا منها الإعتذار، إنما تُقام القداديس من أجلها.

4- بريطانيا وزعت إجرامها على جميع الكرة الأرضية وهي تعتبر أن ابن لادن كان مجرماً. أما هي فقد كانت تحضر العالم.

سبحان الله، أليست هذه مفارقة في تقييم الأمور؟ إن من كان يُعتبر متهماً بقتل ثلاثة آلاف أمريكي، ولم تثبت التهمة عليه، يُحاسب على أنه مجرم، أما المجرم الحقيقي فيوزع الشهادات بالخلق الحسن. وما من أحد يعترض. إن أعظم الجهاد هي كلمة حق عند سلطان جائر. أما في العصر الأمريكي فعلينا أن نصفق للمجرم على أنه فاعل للخير.

نحن لم نفرح بمقتل ابن لادن، لأنه مات مظلوماً، لأن الإدارة الأمريكية في جبروتها لم تتمكن من إثبات التهمة عليه. وهو يرتاح من عالم ظالم يأبى الناس فيه من أن يشيروا بأيديهم إلى المجرم.

2 أيار 2011 حسن ملاط

ما الذي يعيق تشكيل الحكومة اللبنانية؟

بعد حوالي مئة يوم على التكليف بتشكيل الحكومة، قيل أنهم تمكنوا من الإتفاق على العميد مروان شربل وزيراً للداخلية. وزير للداخلية لحكومة لم تتشكل بعد، ولا نعلم حجم الحظوظ لتشكيلها. ولكن كان لافتاً قبول الرئيس سليمان باقتراح وزير الداخلية، علماً أنه لم يلب شروطه (أي أن يقترح هو الأسماء وأن يقبل الآخرون بتسمية واحد من تلك الأسماء). ونحن نعتقد أن هذا القبول كان مدروساً لأن الرئيس يعلم أن قبوله هذا لن يؤدي إلى تشكيل الحكومة. فالعوائق دون التشكيل تكمن في مكان آخر؟

الإستقرار هو دلالة على قبول جميع الأطراف بميزان القوى القائم في وقت معين. وهذا ما يُعبر عنه في المثل الشعبي، بتطابق حساب الحقل مع حساب البيدر (حيث يوضع المحصول). لقد حاربت بعض القوى في لبنان ضد ما يسمى المثالثة، مع إنكار الجميع بتفكيرهم بتعديل إتفاق الطائف باتجاه المثالثة بدل المناصفة. لقد كانت هذه القوى ساذجة وللأسف. إن قانون التناتش الطائفي يقوم على قواعد ثابتة لا يمكن لأحد أن يتخلى عنها. فلكل طائفة حقوقها التي تحصلت عليها بفضل قوتها الفعلية. وهذا ما تم ترجمته في اتفاق الطائف. أما الآن فقد تم تغير ميزان القوى عما كانه عند إقرار قانون الطائف. فقد تغيرت وتبدلت المناصفة من مسلمين ومسيحيين إلى مناصفة ما بين السنة والشيعة. وقد كان الرئيس رفيق الحريري خير من ترجم هذا الإتفاق عملياً من دون أن يمس الوثيقة المكتوبة. فقد أتى بالمسيحيين جميعهم إلى خانته مع احتفاظهم بالعدد حسب ما ينص عليه إتفاق الطائف. ولكن ما قام به هو أنهم اصبحوا على خانته بدل أن يكون لهم كيان خاص بهم. وكلنا يتذكر المقاطعة المسيحية التي لم تنتج شيئاً. لم يكن بإمكانها أن تنتج شيئاً لأن ميزان القوى الفعلي على الأرض يختلف عن التمنيات.

هذه الإلتفاتة ضرورية حتى نقول، أن الميزان الفعلي على الأرض يتطلب تفاهماً بين القوى الأساسية التي تملك حيثية حقيقية على الأرض وليس حيثية مفترضة. إن المجموعة التي تستمد قوتها من غيرها لا يمكنها أن تفرض شروطها. ومن يريد أن يستعيد مجداً ضائعاً بقوة غيره يكون واهماً. من هنا فإن تشكيل الحكومة يتطلب نظرة مبنية على ما عليه الواقع الفعلي القائم في هذا الوقت بالذات. لقد تمكن حزب الله من تحقيق إنتصار فعلي على الرئيس سعد الحريري عندما أقصاه عن سدة رئاسة مجلس الوزراء، والإتيان بالرئيس نجيب ميقاتي. ولكن حيث أن الرئيس ميقاتي قد درس الواقع اللبناني دراسة متأنية تمكن من أن يوجد لنفسه حيثية شعبية تمكنه من أن يدافع عن ما يريده من تشكيل الحكومة التي يرأسها. فالمراقب المحايد يرى أن الكثير من القوى المحايدة في الطائفة السنية أصبح منحازاً للرئيس ميقاتي، كما أن هناك أطرافاً كانت محسوبة على الرئيس الحريري أصبحت تجاهر بتأييدها لإدارة الأمور السياسية من قبل الرئيس ميقاتي وعلى رأس هؤلاء سماحة المفتي قباني نفسه.

إن أول من أعطى الإشارة الواقعية التي يمكن أن تؤدي إلى تشكيل الحكومة كان سماحة السيد حسن نصر الله، عندما سربت أوساطه " أنه لا يمانع بأن يتعامل رئيس الحكومة مع ما تقتضيه المحكمة الدولية" مع علمنا أن حزب الله يعارض المحكمة الدولية لأنه يراها مسيسة (وهي كذلك) وتريد أن تنتقم من المقاومة لأنها انتصرت على إسرائيل. أما الطرف الثاني الذي أعطى الإشارة إلى ضرورة تأليف الحكومة فكان فايز شكر مسؤول حزب البعث عندما أعلن بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية. أما الطرف الثالث فقد كان علي حسن خليل عندما تحدث عن حكومة إنقاذ وطني (بالرغم من اضطراره إلى إعطاء تفسيرات لمضمون الإنقاذ). وأخيراً النائب وليد جنبلاط. ونضيف إلى كل ما تقدم مانقله الأستاذ جنبلاط عن الأوساط السورية بضرورة تأليف هذه الحكومة.

إن تشكيل الحكومة في لبنان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما عليه الواقع الفعلي في لبنان. إن توهم البعض أن بإمكانه أن يعطي الآخرين مما لا يملك، يعيق تشكيل الحكومة ولا يسرعها رغم كل أدبيات ضرورة التشكيل. من هنا على الجميع أن يتعاون في أن تعكس الحكومة واقع ميزان القوى بين الأحزاب والطوائف اللبنانية، وأن يستفيد من تجربة الرئيس رفيق الحريري في فرز القوى وتمثيلها.

إن الوضع الإقليمي يميل في جميع تحولاته إلى ما ذهبنا إليه. إن الحوادث القائمة سوف تؤدي حتماً إلى إصلاحات تحدثت عنها أرفع الأوساط. وهذه الإصلاحات سوف تسمح للقوى بالتعبير عن نفسها. ولن تكون إنعكاسات هذه الإصلاحات إلا لصالح المقاومة في لبنان، أي تأكيد إتجاه السياسة القائمة اليوم بتأييد خط المقاومة اللبنانية والفلسطينية. من هنا ضرورة الإطمئنان إلى الوضع الإقليمي الذي لن يكون إلا لصالح القوى الحية التي تمثل مستقبل هذه الأمة.

إن الحكومة اللبنانية يجب أن تكون ذات أفق يقوم على ضرورة التعامل من دون ضوابط مع الجارة الوحيدة سورية ومن دون أي تحفظ. إن الوضع العربي الذي بدأت ترتسم خطوطه المستقبلية يفرض سياسة الإنفتاح الفعلي على سوريا والتعدي إلى العراق، وإلا لن يكون إنفراج للوضع الإقتصادي الذي نعاني منه جميعاً. وهذا يتطلب بالتالي التعجيل بتشكيل الحكومة على الأسس التي يقتضيها هذا التأليف.

13 أيار 2011 حسن ملاط