الحصار في شعب أبي طالب والمجتمع الإستهلاكي
إن حديثنا عن حصار النبي صلى الله عليه وسلم ومن ناصره من قريش ومن بقي من المسلمين بعد أن أمرهم النبي عليه السلام بالهجرة إلى الحبشة فراراً بدينهم من بطش قريش، هو بقصد محاكمة ممارساتنا على ضوء سلوك النبي عليه السلام.
لقد كان الحصار بسبب تمسك النبي عليه السلام بدينه أمام إغراءات قريش التي تفتن كل من لا يملك إيماناً راسخاً بوعد الله عز وجل. ومما لا بد من ذكره في هذا المجال أن بيت النبوة كان يملك كل أموال خديجة رضي الله عنها. وهي كما يروى أنها كانت من أغنى أغنياء قريش، إن لم تكن أغناهم. ورغم هذا ارتضت أن تعيش العوز والفاقة لتفوز بدينها ورضى الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. أخذنا مثل خديجة لأنها لم تتعود الجوع والعطش، إنما كانت تطعم المعوزين، فهي في كنف رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي يحمل الكل ويعين على نوائب الدهر. وليس مثلها كمثل من تعود الجوع والعطش. جاء في سنن الترمذي عن أبي طلحة: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجرحجر فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين. وجاء في صحيح مسلم عن عائشة، رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شبعنا من الأسودين: الماء والتمر. وفي رواية: وما شبعنا من الأسودين. وجاء في البحر الزخار للبزار عن قري بن إياس المزني: ما كان طعامنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الأسودين: يعني: التمر والماء. فالحديث الأول لتحدث عن الحصار في شعب أبي طالب، أما الأحاديث الأخرى فهي تتحدث عن ممارسة النبي عليه الصلاة والسلام في الأيام العادية التي لم يقبل خلالها، أن يعيش حياة الترف لأنها لا تنسجم مع قيم الإسلام.
ماذا جرى مع النبي صلى الله عليه وسلم؟
قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم، و بني المطلب، على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن عكرمة بن عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي - قال ابن هشام: ويقال: النضر بن الحارث - فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشُلّ بعض أصابعه.
وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحاً يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه في الشعب، فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة.
ماهي القيم التي نحملها الآن؟
يقول د. زيد بن محمد الرماني: لاشك أن للمال عند الانسان جاذبية قوية، تجعله ينشدّ إليه ويسير باتجاهه، متصوراً أن هذا المال يحقق له كل طموحاته وتطلعاته الاستهلاكية وهذا التصور هو أحد أسباب سيادة وشيوع ثقافة الاستهلاك والعقلية الاستهلاكية مؤخراً في المجتمعات المعاصرة.
لقد أغرق السلوك الاستهلاكي المكثف الانسان في طوفان من المشاكل المتعلقة بتلوث البيئة واستنزاف الموارد والإسراف والتبذير وتبديد المنتجات وانتشار الجرائم والمخدرات، وشيوع المجتمع الاستهلاكي، والإعلام الاستهلاكي.
إن أكثر ما يشغل تفكير العقلية الاستهلاكية هو توفير الاحتياجات المادية،واقتناء كل ما يستجد عرضه في الاسواق، وعلى صفحات الاعلانات والدعايات التجارية في وسائل الاعلام المختلفة.
إن فيروس الاستهلاك الجائر وراء أخطر الأمراض الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والفكرية التي تعرضت لها كثير من المجتمعات.
ومن أبرز أوجه السلبيات التي تتعرض لها الامم والحضارات، هو استشراء داء الاستهلاك الجائر في نفوس أبنائها، إذ ينمي هذا الاستهلاك في الانسان الترهل، ويبعده عن القيم الفاضلة ففي الوقت الذي تنعم فيه بعض الشرائح الاجتماعية بكل ما لذ وطاب، وتقوم برمي أطنان من الأطعمة في سلات القمامة، هناك ملايين البشر تتعرض لسوء التغذية والمجاعة والموت.
إن الكم الهائل من الاعلانات الدعائية هو أحد المقاييس الأمينة لنزعة الاستهلاك، التي ألمت بالبشر في الزمن الحديث، إذ يلجأ المنتجون إلى كل وسيلة متاحة لحث البشر على زيادة الاستهلاك.
يقول دافيد ريسمان: إن الفرد المتهالك على الكسب بغية زيادة قدرته على الاستهلاك، لايجد الوقت اللازم كي يتصل بالآخرين، كي يصغي إليهم، كي يشعر معهم، كي يتبادل وإياهم.
ولذا، تنكر المجتمع الاستهلاكي الحديث لقيمة المشاركة بين الناس، إذ شغلهم بالسعي اللاهث وراء أشياء يمتلكونها ويتنافسون في التسابق إليها.
وهكذا ينشئ مجتمع الاستهلاك غربة بين الانسان وأخيه، تنتج شعوراً بالفراغ والقلق والعنف، يقول روجيه غارودي: في مجتمعات يُحرم فيها السواد الأعظم من الناس من التمتع بالمشاركة، يصبح العنف شريعة الأفراد والجماعات، إذ يوظف مجتمع الاستهلاك زخمه في سعي لاهث إلى امتلاك الأشياء واستهلاكها، موهماً الانسان بأن تراكم الاشياء لديه وتجددها المستمر كفيلان بأن يرويا غليل قلبه.
إذن، يفرز مجتمع الاستهلاك - كما يقول كوستي بندلي - يفرز العزلة والفراغ ويحكم على حياة الانسان بالعبثية والتفاهة، فاذا بالمرء فقير وسط خيراته المتراكمة، جائع وسط تخمته، يستحوذ عليه السأم رغم تنوع الملاهي، يفتك به القلق، رغم كل الضمانات.
ويلاحظ أن جزءاً كبيراً من الدول تجاوزت مجتمع الاستهلاك والرخاء، ودخلت عصر مجتمعات التبذير، ولعل هذا ما دفع فانس باكارد الى أن يعنون أحد كتبه فن التبذير.
ومنذ سنوات أطلق غالبريث في كتاب مهم عهد الرخاء، صرخة إنذار يحذر مواطنيه من عبادة الأدوات الآلية، ومن جنون الاستهلاك الحر، الذي يتحول إلى تبذير على حساب الاستثمارات.
وفي كتابه المهم، مشروع الأمل يذكر روجيه غارودي أن الدعاية والإعلان يلعبان دوراً رئيساً كطقس جنوني في ديانة النمو الوحشي، مجتمع النمو الاعمى الغربي، وهذه الدعاية مرتبطة بالتبذير، كما أن لها دوراً كبيراً في تبليه الإنسان، فأصبح إنسان اليوم، نتيجة لذلك يعيش بأسلوب استهلاكي غير مسؤول، وكأن لسان حاله يقول أنا وبعدي الطوفان.
يقول كوستي بندلي: أنّ نقدنا مجتمع الإستهلاك ليس موجّهًا ضدّ الإستهلاك بحدّ ذاته. بَدَهيٌّ أنّ الإستهلاك ضرورة طالما أنّ للإنسان حاجات. لذا فلا مأخذ معقولاً على قضاء هذه الحاجات عن طريق استهلاك ما يسمح بإشباعها، من طعام وشراب وملبس ومسكن وأدوات منزليّة ووسائل نقل وما شابه ذلك. ولكنّ مجتمع الإستهلاك ليس همّه أن يدعو إلى إستهلاك طبيعي، مشروع (يحجبه على كلّ حال عن شريحة من البشريّة واسعة)، إنّما - وهنا يكمن شططه وخطره الفادحان- يجعل من الإستهلاك القيمة المطلقة ويقيمه مرادفاً للوجود ومبرّرًا له. لذا فهو يسعى بكلّ الوسائل لاختزال الإنسان في حاجاته، لا بل لتضخيم هذه الحاجات بشكلٍ متواصل ومصطنع، كي يصبح هذا الإنسان مشغولاً بها بالكليّة، لاهثاً من دون انقطاع وراء إشباعها، وتاليًا مندفعًا إلى الشراء بِنَهَم لا يعرف الشبع والإكتفاء، فيحقّق بذلك الأغراض التجاريّة التي يرسمها المهيمنون على ذلك المجتمع والتي يسخّرون لها الجمهور، متلاعبين بعقله ومشاعره عن طريق استخدام وسائل الإعلان بأسلوب بارع ومدروس.
هناك قيمتان لمجتمع الإستهلاك:
القيمة الأولى : معك قرش تساوي قرش ما معك قرش لا تساوي شيء
القيمة الثانية: وهي خطيرة جداً أيضاً، الاهتمام الدائم والركض الدائم من اجل الشراء يستهلك كل طاقة الإنسان ووقته، لأنه عليه أن يشتغل أكثر حتى يدخل أكثر حتى يشتري الأمور التي يريد شراءها وامتلاكها. وبالتالي يعمل لساعات أطول ويعود متعباً إلى المنزل ليست لديه القدرة للتكلم مع زوجته وأولاده. والمرأة أيضاً هي الأخرى تعمل وبالتالي أصبح هناك تفكك أسري من وراء هذا العمل.
هذه هي القيم والممارسات التي تحكم مجتمعاتنا. وهذه القيم ليست من اختراعنا، إنما اكتسبناها بسبب تشبهنا بالغرب واعتقادنا أن كل ما يأتي به الغرب هو الحسن والذي يجب أن يسود. كل هذا بسبب بعدنا عن رسول الله وبسبب عدم تأسينا به. هل يمكن أن نرى أي رابط بين ما قام به النبي عليه السلام في شعب أبي طالب وانغماس مجتمعاتنا في الشهوات. أين تذهب أموال الأمراء الخليجيين، أموال النفط الذي هو ملك للأمة؟ إنها تذهب على العربدة والمجون والملذات. وهناك من المسلمين من يدافع عن مجون هؤلاء، لأنه لم ينل حظ دراسة سيرة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام.
هل بدل رسول الله نمط حياته بعد أن ترك شعب أبي طالب؟
يُروى أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يترك إلا ثلاثة دراهم طلب من عائشة إنفاقها قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى. ونحن نعلم كم وزع من آلاف النوق على المؤلفة قلوبهم بعد غزوة حنين. ألم يكن له نصيب؟ بلى ولكنه أنفقه في سبيل الله. فقيم الإسلام تعارض أن قيمة الإنسان بما يملك من المال.
عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين و ما أوقد في أبيات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نار. قال: قلت: يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، جيران من الأنصار كانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ألبانها فيسقياه. رواه مسلم
جاء في صحيح مسلم عن عائشة:والله! يا ابن أختي! إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال. ثلاثة أهلة في شهرين. وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قال قلت: يا خالة! فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء. إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار. وكانت لهم منائح. فكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها، فيسقيناه .
منائح: نوق وشياه ذات لبن.
جاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا. فقال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي، ما يجد دقلاً يملأ به بطنه .
دقلا: التمر الرديء
جاء في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري: إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم، إذا لقي الخيل، أو قال: العدو، قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم
إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية ، فهم مني وأنا منهم.
جاء في صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص: رأيتني سابع سبعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام إلا ورق الحبلة، أوالحبلة، حتى يضع أحدنا ما تضع الشاة، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، خسرت إذا وضل سعيي .
الحبلة: نوع من النبات
عن أبي عبد الرحمن الحبلي، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال نعم: قال ألك مسكن تسكنه؟ قال نعم. قال: فأنت من الأغنياء! قال: فإن لي خادماً، قال فأنت من الملوك. قال أبو عبد الرحمن: وجاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وأنا عنده فقال له يا أبا محمد إنا والله ما نقدر على شيء، لا نفقة ولا دابة ولا متاع فقال لهم: ما شئتم؟ إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم. وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان وإن شئتم صبرتم. فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريف". قالوا: فإنا نصبر لا نسأل شيئاً. رواه مسلم.
هذا ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمون عندما فتحت لهم الدنيا ذراعيها. فهل من نقاط مشتركة بين ما هم عليه المسلمون في أيامنا هذه وما كان عليه النبي عليه السلام، حيث هناك الملايين من الجياع من هم على دين الإسلام وإخوانهم ينفقون ملايين الدولارات على ملذاتهم. هناك أراض لا تزال محتلة من قبل أعداء الأمة، ولا يجد المقاومون من يمد لهم يد المعونة. أما عمر عندما كان أميراً للمؤمنين وجد يهودياً يستعطي، فخاف من عذاب الله لأن هناك من يستعطي. فما يفعل المسلمون بمئات الملايين من الجياع في العالم؟
نحن لا نقوم بالوعظ، إنما نبين كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم إن أردنا أن نتأسى به لأنه أسوتنا الحسنة كما قال ربنا تبارك وتعالى. ومن شاء فليؤمن.
حسن ملاط 13 حزيران 2011